|
| |
|
إدارة
المرحلة الانتقالية
مقترحات عامة لقيام ثورة الياسمين في سوريا
31 كانون الأول، 2005
اتّصف نظام الحكم
في العقود الأربعة الماضية من تاريخ بلدنا بالطابع الاستبدادي والفساد
المستشري وسوء الإدارة الفاضح من جانب الزمرة العسكرية الحاكمة وأزلامها من
المدنيين. وقد شهدت السنوات الخمس الماضية على وجه الخصوص نزعة مغامراتية
سياسية واقتصادية من قبل حكامنا الحاليين، ممن يدعون الحرس الجديد، أدت إلى
تضييق أكبر لدائرة الممسكين بزمام السلطة ضمن النظام. وفي الواقع، لا يخفى
على أحد الآن أن عملية صنع القرار باتت مقصورة على عصبة صغيرة فاسدة تتمركز
حول شخص الرئيس وأفراد عائلته وأصدقائه المقرّبين.
لكن التطورات الأخيرة في المنطقة، بما فيها قراري مجلس الأمن الدولي 1636
و1644، تحمل في طيّاتها إمكانية تقديم المساعدة لنا لتغيير هذا الوضع
الموحش، مستغلّين الضغوط التي يتعرّض لها النظام واستمرار عزلته الدولية
وفتح ملفاته القديمة المتعلّقة بممارساته القمعية والفاسدة في كل من لبنان
وسورية ذاتها.
وبالفعل، يمكن لإدارة مناسبة لهذا الوضع أن تدشّن مرحلة جديدة في التاريخ
المعاصر لبلدنا؛ مرحلة غنية بالبشائر والرقي، وقادرة على تمكين سوريا أخيراً
من الانخراط في صفوف الدول المتطورة والديمقراطية.
لكن، ولكي نستفيد من هذه الإمكانية، فإن نشاطنا كمعارضة، سواء عملنا كأعضاء
في أحزاب منظمة أم كناشطين مستقلّين، يجب أن لا يقتصر على إصدار البيانات
والإعلانات العامة فقط، بغض النظر عن مدى ما تحمله من شجاعة وطليعية، كما
يجب أن لا نبقى متخوّفين من العلاقة مع العالم الخارجي والقوى الرئيسية
الفاعلة في المنطقة اليوم.
ففي الوقت الذي لا يبدو فيه منطقياً أن نعقد آمالنا في التغيير على مساعدة
ودعم القوى الخارجية، فإن هذا لا يعني أنه بوسعنا تجاهل أو تحييد هذه القوى،
بل ربما تنعكس محاولاتنا لتجاهل هذه القوى سلباً على مصداقيتنا وقدراتنا
ككوادر قيادية.
لذا، ينبغي علينا في هذه المرحلة أن نتبنّى طريقة عمل أكثر مباشرة ووضوحاً
وقدرة على مساعدتنا في إدارة الفترة الانتقالية من الاستبداد إلى
الديمقراطية، وعلى تمهيد الطريق نحو تغيير سلمي للنظام يكون عربوناً لحكم
القانون والعمليات الانتخابية الضرورية التي طال انتظارها، وعلى إعادة
تطبيع علاقة سورية بالمجتمع الدولي. هذا وحده يمكن أن يساعد اليوم على
تفادي الاحتمال المتزايد للعزلة الدولية والعقوبات والانفجار الداخلي.
وفي الواقع، من المستبعد تماماً أن يستمر الوضع الراهن طويلاً في ظل هذا
النظام الهش والمتفسّخ. إذ توضح المعاينة المتعمّقة للتطورات المختلفة خلال
السنوات القليلة الماضية أن بقاء هذا النظام في السلطة، وليس الإطاحة به،
هو ما يرجّح احتمال انحلال الدولة وسيادة الفوضى والغوص في مستنقع طائفي
وإثني على غرار ما يجري في العراق.
وحسب ما تسعفنا به الذاكرة، فإن الصدامات بين مكونات الشعب السوري التي
حدثت في ظل حكم الرئيس بشار الأسد، منذ مجيئه إلى السلطة في أيلول 2000، هي
أكثر مما حدث في ظل حكم أي من أسلافه منذ ظهور دولة سوريا الحديثة في عام
1920. علاوة على ذلك، لم يحاول النظام الحالي معالجة أي من القضايا
الرئيسية العالقة المسبّبة لكل هذه الصدامات على رغم وعوده المتكررة في هذا
الصدد.
وفي غضون ذلك، ما يزال البلد بأكمله محكوماً بقانون الطوارئ الذي أُعلن أول
مرة عام 1963. ومنذ الصدامات بين العرب والأكراد في آذار 2003، ما تزال
المناطق الشمالية الشرقية محكومة بصورة مباشرة من قبل مختلف الأجهزة
الأمنية أكثر مما هي محكومة مدنياً، ويعاني الأكراد على وجه الخصوص من وطأة
القمع وتتزايد التوترات بين مختلف التجمعات الإثنية والطائفة هناك.
ورغم ذلك فإن السلطات المركزية، وبدلاً من فرض إرادتها، لا تزال تتحرك من
خلال السياسيين المحليين وبما يسبب انهيار الترتيبات القائمة وتقوية يد
المتطرّفين. في هذه الأثناء، تبدو السيطرة على الحدود الطويلة مع العراق
غائبة فعلياً في هذه المرحلة. والسلطات المركزية ببساطة لم تعد قادرة على
جعل المجموعات المحلية أكثر تعاوناً في هذا الصدد، دون القيام بمكافحة جدية
للفساد ومعالجة جدية لعدد من القضايا الاجتماعية-الاقتصادية العالقة هناك
واقتراح ترتيب سياسي جديد لحكم تلك المناطق بما يكفل استعادة ثقة وولاء
مختلف مكونات البيئة المحلية. لكن لا يبدو أن قادتنا الحاليين لديهم أدنى
فكرة عن كيفية القيام بهذا العمل. كما أن الإرادة الضرورية تبدو كذلك
غائبة.
وهذا الوضع، الذي تعكس هشاشة النظام فيه هشاشة الدولة وتغذّيها في آن، يفرض
العديد من التحديات الجدية على قابلية الدولة على الوجود. وقد سنحت للنظام
القائم فرصاً وفيرة لإصلاح طرقه وتبنّي الإصلاحات الضرورية التي يحتاجها
البلد، لكنه أخفق في القيام بذلك حتى الآن. وهذا ما يضفي مصداقية أكثر على
الحجة القائلة أن النظام، بما فيه الرئيس الجديد، هو في الحقيقة جزء لا
يتجزأ من المشكلة بدل أن يكون حلاً لها، وبالتالي هناك ضرورة للعمل على
إزاحته، وإن بطرق سلمية.
هذا هو التحدي الرئيسي مستقبلاً، وما سيلي معدّ لعرض بعض المبادئ العامة
الموجزة التي يمكن أن تساعد على بلورة خطة العمل الضرورية لمواجهة هذا
التحدي بصورة فعالة مع ضمان استقرار البلد، والعمل على بناء دولة تسودها
المعايير الديمقراطية وسيادة القانون وتُحترم فيها الحقوق المدنية الأساسية
لجميع مواطنيها.
ولقد تتم إعداد هذه الورقة بعد دراسة معمّقة لتجارب الكثير من الدول التي
مرت بعملية انتقال مماثلة، ولذا فهي تستند على بيانات مستنبطة من تجارب
فعلية أكثر مما تستند على أطر واعتبارات نظرية. ومن المؤمل أن تقدم هذه
المبادئ المساعدة للمعارضة السورية في إثارة جدلاً بناءاً حول الخطط
والاجراءات العملية التي ينبغي تبنّيها في الأسابيع والأشهر الصعبة، بل
الحاسمة، القادمة.
مسألة القيادة
القيادة موضوع معقّد جداً يصعب إعطاءه حقه في هذا السياق. ومع ذلك نحن
بحاجة للتشديد على نقطتين غالباً ما تم تجاهلهما. تتعلق النقطة الأولى
بضرورة التفريق بين الأدوار التي يقوم بها الزعماء "الروحيون"
والإيديولوجيون من جهة، ودور الزعماء الشعبيين من جهة أخرى.
فالزعماء "الروحيون،" وبتحديد أكثر: مؤسسو وإيديولوجيو الحركات السياسية،
قد لا يكونون بالضرورة أفضل من يمثّل أحزابهم أمام وسائل الإعلام والجمهور،
خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الخصائص السكانية المتشابكة، بالإضافة إلى
طبيعة وسائل الإعلام المعاصرة وتأكيدها على الصورة والمظهر العام.
إذ تكتسي عملية تسليط الضوء على "الصورة والمظهر السليم" وصقلها والحفاظ
عليها أهمية عظيمة في الوقت الحاضر. وقد أدى العرض المتواصل لبرامج الترفيه
الغربية وأخبار الأقنية الفضائية إلى وضع أصبح فيه شعبنا، رغم غياب التجربة
الديمقراطية في البلد، لا يقلّ بالضرورة عن نظرائه الغربيين تطلّباً فيما
يتعلّق باحترام أذهانهم من خلال الحفاظ على مظاهر وسلوكيات معينة على
الأقل.
ولهذا السبب، يتوّجب على فصائل المعارضة إيلاء قضية المظهر والسلوك
الإعلامي جدية أكثر من خلال الإبقاء على قيادة مزدوجة فيما يتعلق
بالتنظيمات السياسية. وإذا كانت الشخصيات الكارزمية والملهمة تُولد ولا
تُصنّع، فأن الشخصيات التي يمكن أن تجذب الجمهور وتحوذ على اهتمامهم وسمعهم
غالباً ما تُصنع هذه الأيام. وفي غياب النوع الأول، لا عذر لعدم توفير
النوع الثاني. إذ لايمكن لمعارضة بلا ملامح أن تلهم الناس، وكذلك هو حال
المعارضة التي تقدم للناس أشخاصاً لا تناسب صورتهم العامة متطلّبات وسائل
الإعلام البصرية وأذواق الطيف الأوسع من الناخبين، الذي يمثّل الشباب فيه
النسبة الأكبر.
لمواجهة هذا التحدي، تحتاج فصائل المعارضة إلى استشارة خبراء المظهر
والعلاقات العامة. فإعداد القادة واجب، ولا يمكن التعامل ارتجالياً مع هذه
المهمة التي أصبحت علماً في الغرب منذ زمن طويل، وهناك الكثير من الشركات
الدولية المستعدة لعرض مساعدتها وخبراتها في هذا المجال.
النقطة الثانية تتعلق بالدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه التكنوقراطيون في
توفير الرؤية الضرورية لتأسيس مختلف برامج الأحزاب السياسية. ونحن في
المعارضة نركّز غالباً على الحفاظ على لعبة القط والفأر مع السلطات إلى حد
نهمل معه ضرورة امتلاك برامج واضحة في أغلب الأحيان. ولسوء الحظ، ليس هناك
من تعاطف شعبي كبير مع مأزقنا يمكنه أن يساعدنا على توليد الدعم الشعبي
الضروري الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه، حركات ومنظمات وأحزاب. فالدعم الشعبي
يتطلب تنظيماً ورؤية وحسن تقدير ومقدار كاف ومقنع من الاحترافية.
لهذا السبب، يحتاج قادة المعارضة إلى إحاطة أنفسهم بمحترفين أكفاء قادرين
على تقديم العون من أجل خلق ثقة شعبية بالمعارضة. ويجب تقسيم هؤلاء
المحترفين إلى لجان وتفويضهم بالشروع في دراسات خاصة حول مختلف القضايا
الشائكة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية.
ويمكن لهذه الدراسات التي يقدمها هؤلاء المحترفون أن توفر لفصائل المعارضة
خطط عملية وتوصيات معينة لمواجهة بعض التحديات الرئيسية التي تهدد البلد،
الأمر الذي عجزت الحكومة عن أن توفره لنفسها حتى مؤخراً، حيث أصبح الإعلان
عن خطط نوع من الموضة أو التقليع عند بعض المصلحين العاملين مع الحكومة.
وليس مطلوباً من خطط ودراسات المعارضة أن تكون كاملة وشاملة في هذه المرحلة
(ففي المحصلة ليس هناك خطط ناجزة إطلاقاً)، بل يكفيها أن تتفادى المبالغات
والأخطاء الموجودة فيالمخططات الحكومية وأن تكون أكثر قدرة على التلاؤم مع
جوهر المطالب والطموحات الشعبية، لتصبح مصدراً رئيسياً للجذب والمصداقية
والشرعية. وفي الواقع، يتوجب علينا أن نؤسس حكومة موازية والعمل على نيل
استحسان ودعم شعبي لبرامجها ورؤيتها العامة من أجل البلد ومستقبله.
الرؤية
لا يمكن الحصول على حركة تقدمية فاعلة دون الاستعانة برؤية، مهما كانت
أولية في بادئ الأمر. فالرؤى ضرورية لإعطاء إحساس بالسياق للناس، إحساس من
الاستمرارية والتوجه، إحساس بالألفة وإطار تتحدد به الهوية .. بوصلة
شاملة.. وباختصار إحساس حقيقي من الأمل بالمستقبل.
سيوافق معظم المراقبين العقلانيين على أن "الرؤية" هي بالضبط ما افتقدناه
خلال السنوات الخمس الأخيرة. قبل ذلك، ساعد الوعد الذي مثلته عملية السلام
(قبل انهيارها عام 2000) على توفير رؤية لتلك الفترة المبكرة بعد انهيار
الاتحاد السوفييتي، راعي نظامنا سابقاً. وقد بدا أن عملية السلام جاءت كجزء
من الانفتاح العام على أوروبا والولايات المتحدة أيضاً، مع كل الحوافز
الاقتصادية المحتملة المنتظرة.
صحيح أن عملية السلام انهارت قبل وصول بشار ومجموعته إلى السلطة، لكن
الزمرة الحاكمة فشلت في فهم انعكاسات ذلك على الحالة الوطنية. كما أنها
فشلت في فهم تأثيرات الإنهاء السريع لربيع دمشق عام 2001 دون أية محاولة
للتسوية، وفي استيعاب أن الإصرار على الاحتفاظ بالسيطرة التامة لا يتناسب
مع روح العصر ببساطة. والأهم من ذلك هو فشلها في إرواء ظمأ متزايد لأمل
جديد كان يلوح في الأفق.
وإذا أصبح من المتعذر بناء الأمل على عملية السلام، فيجب أن نبنيه على رؤية
معينة اقتصادية وسياسية للإصلاح الداخلي. فالبلد لا يمكن أن يُحكم لفترة
طويلة بدون أمل، خصوصاً في أوقات الأزمات عندما تتوقف مصداقية القائد على
قدرته على توليد مثل هذا الأمل، ناهيك عن إنجازه فعلياً، مهما كان جزئياً.
لكن ما عجز النظام السوري عن تقديمه آنذاك ولا يزال عاجزاً عن تقديمه حتى
الآن، علينا نحن كمعارضة أن نقدمه. فنحن مطالبون بتقديم رؤية لمستقبل
سوريا. وإذا استطعنا فعل هذا، فسنكون قد حققنا قفزة هائلة على طريق اكتساب
المصداقية والشرعية الشعبية.
لا تحتاج الرؤية إلى الكثير من التعقيد. فالدستور الذي عرضه زميلنا أنور
البني منذ فترة، مع نسخة معدلة من إعلان دمشق تسمح للأخير أن يتخذ شكل
ميثاق وطني أكثر احتراماً للتنوع الذي يعرفه الوطن يمكن أن يوفرا الإطار
النظري الضروري للرؤية المنشودة، والتي ينبغي أيضاً شرحها والدفاع عنها
وإغناءها بالتفاصيل عبر مقالات ومقابلات واتصال مباشر مع الجمهور.
علاوة على ذلك، يجب على الرؤية أن توحي بالأفعال المطلوبة، بما فيها، كما
ورد سابقاً، تشكيل لجان مخصصة لمعالجة قضايا محددة، مثل الأوجه المختلفة
للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، قضايا السياسة الخارجية، عرض لعملية
السلام، الدور الجديد لسوريا في المنطقة وعلاقاتها مع جيرانها والمجتمع
الدولي .. إلخ.
إن عمل مثل هذه اللجان ووجود خطط فعلية تهدف إلى انتشال البلد من مستنقعه
السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي هو بحد ذاته شرارة الأمل التي ينشدها
شعبنا والتي ستساعد الأحزاب على توفير المصداقية والشرعية المطلوبة. ويجب
علينا كمعارضة الاستفادة من هذا، خصوصاً إذا نسّقنا عملنا بالتعاون مع
المنظمات الدولية.
إن الإحساس بالجديد الذي يمثله هذا المسعى هام للغاية. لقد اعتاد الناس على
أن الحكومة هي التي تتولى مثل هذه المبادرات، وبالتالي فإن رؤيتهم للمعارضة
تطرح مبادراتها في هذه المرحلة ستفيد في تعميق أزمة النظام وتفقده
المصداقية، لاسيما إذا حاول أن يوقف أو يعرقل مثل هذه المساعي. عملياً،
تقوم المعارضة من خلال هذه التحرّكات بتشكيل حكومة موازية في داخل الوطن
وليست حكومة منفى.
وستساعد مثل هذه المبادرات أيضاً أحزابنا وحركاتنا على اكتساب أفكار معينة
من أجل برامجنا؛ البرامج التي نحن بأمس الحاجة إليها كي نستحق صفة أحزاب
سياسية.
الانتشار
يجب صياغة استراتيجية محددة للوصول إلى مختلف مكونات الشعب السوري؛
استراتيجية تتضمن أيضاً محاولات للوصول إلى شخصيات عسكرية وبعض شخصيات
النظام المعروفة بتوجهها الإصلاحي.
يجب على الرسائل المبعوثة أن تشدّد على نقاط تختلف حسب اختلاف التوقيت
والجمهور المتلقي. كما يجب أن تكون مقبولة من كامل مكوّنات الشعب السوري،
عرباً وأكراداً ومسلمين ومسيحيين وأرمن وسنة وعلويين ودروز وإسماعيليين
وآشوريين.. إلخ، وأن تغطي قضايا القبول بالآخر والحقوق والضمانات
الدستورية.
ويجب أن يكون هناك تأكيد مضاعف على الصفة المدنية للدولة. كما يجب أن يشكل
دعم حرية الضمير والمعتقد ضمانة كافية للعلمانيين والإسلاميين على حد سواء.
أما تجاوز ذلك، كما فعل إعلان دمشق عندما قرّر طوعاً ارتباط المشهد السوري
المعاصر مع القيم والتقاليد الإسلامية، دون أي التزام مؤكّد وواضح من جانب
الإسلاميين بمفاهيم الحقوق الشخصية، فهذا التنازل المسبق يمثّل يقوّي يد
الطرف الآخر قبل الشروع في أي حوار حقيقي معه.
وينطبق الشيء نفسه على التشديد الكبير على الصفة العربية للدولة. فالأكثرية
العددية المكوّنة من العرب السنة في الوطن لا تعني أن الثقافة العربية
والإسلامية يجب أن تكون المعيار الذي يحكم كل القضايا أو المركز الذي تدور
حوله الأمور. فالمعيار الحقيقي هو سيادة القانون واحترامه بما ينسجم مع
حقوق الإنسان الأساسية عموماً. هذا هو المعنى الحقيقي للدولة المدنية.
الدولة المدنية تكفيها صفة المدنية، وليست بحاجة إلى المزيد من التعريف.
ومن المهم جداً إعداد رسالة توجّه إلى ضباط الجيش والأمن، لكونهم العمود
الفقري للنظام. وينبغي أن يكون محور الرسالة: غفران الآثام الماضية مقابل
التعاون على فتح صفحة جديدة ينأى فيها هؤلاء عن الحياة السياسية ولا يبدون
أي انحياز ضد المتظاهرين والنشطاء السياسيين، صغر شأنهم أم كبر، ما دامت
عقائدهم السياسية تدعو إلى احترام الحقوق الشخصية الأساسية عموماً.
وينبغي أيضاً تذكير الناس بمصير نظام صدام وأتباعه، وإن بطريقة ملطّفة،
وليس بغرض التهديد، بل لدفع اللاعبين الأساسيين للتفكير ملياً قبل الانصياع
لأمر صادر عن نظام فاسد من الواضح أنه في طريقه إلى السقوط.
والحقيقة أنه من الصعب جداً تحديد شخصيات عسكرية ترغب بتسهيل مهمة إسقاط
النظام، لكن من الضرورة الاقتناع بوجود مثل هؤلاء ومحاولة مخاطبتهم عبر
وسائل الإعلام لثنيهم عن الانحياز ضد المعارضة خلال أي عملية قمع قادمة.
ومثل هؤلاء الأشخاص يمكن تمييزهم بطرق عدة، منها، على سبيل المثال، جلسات
التحقيق الدورية التي مررنا بها كأفراد في المعارضة وناشطين مستقلين. لقد
حصلت مصادفات عديدة حدثت فيها مناقشات صريحة مع المحقّقين، مما خلق صلة ما
معهم. وقد حان الوقت للإرتقاء بهذه الصلة إلى مستوى أكبر.
بالنسبة للجيش، فأفضل طريقة للقيام بتحييده هي ضمان حياد بعض المراتب
العليا وقادة الصف الثاني والتأكد أنهم لن يتعاونوا مع النظام إن اختار
القيام بحملة واسعة من القمع والاعتقالات. علاوة على ذلك، يمكن أن يكون
هناك بعض الضباط الكبار الذين يحتاجون لسماع أن تحركاً من جانبهم بمكن أن
يلاقي دعماً شعبياً إذا ما التزموا ببرامج إصلاحية محددة. وهذا السيناريو،
وإن لم يكن يمثّل الحل الأمثل، قد لا يشكّل صفقة سيئة بالنسبة لسوريا.
لنأخذ موريتانيا على سبيل المثال. لقد تعهد قادة الانقلاب العسكري بإجراء
انتخابات بغضون 15 شهراً، وأعلنوا أن أياً من الطاقم العسكري الحاكم لن
يتقلّد أي من المناصب. وضع مشابه يمكن أن ينقذ سوريا من الانهيار. لكن هذا
ليس بالتأكيد السيناريو المثالي الذي نطمح إليه، ويتطلب الأمر يقظة
واحتراساً من قبل المعارضة الداخلية والمجتمع الدولي، في حال حدوث مثل هذه
التطورات، لضمان التزام الضباط المسؤولون بوعودهم والعودة إلى ثكناتهم.
وتنطبق الحاجة إلى التواصل على المجتمع الدولي أيضاً، بما في ذلك الاتحاد
الأوروبي والولايات المتحدة. ومن الضروري الترفّع عن الإيديولوجيات القومية
واليسارية المعتادة والإعتراف بالحاجة إلى التعاون مع الاتحاد الأوروبي
والولايات المتحدة وإيجاد الصيغ المناسبة لهذا التعاون. ففي عالم اليوم،
وحدها الدول العظمى تستطيع تحمل خطأ المرور بمرحلة إيديولوجية، أما الدول
الصغيرة مثل سوريا ما بعد الحرب الباردة فلا تستطيع ذلك، بل هي مضطرة اليوم
وأكثر من أي وقت مضى لأن تبقى براغماتية وتقوم بحسابات دقيقة وتقدم
التنازلات كي تضمن بقائها.
ويمكن أن نغضب ونشمئز أخلاقياً من هذا الوضع، فنحن بشر وهذا طبيعي بالنسبة
لنا، بل هو ضرورة. ولكننا في خاتم المطاف بحاجة للتعامل مع هذا العالم
"البغيض"، وإلى تعلّم فن المساومة. وربما ما يزال إصدار البيانات ضد أمريكا
والغرب والصهيونية يلاقي صدى جيداً في بعض الأوساط، لكن هذا ببساطة ليس
سياسة صائبة، بل هو في الواقع سياسة غير حكيمة. ما نحتاجه هذه الأيام هو
الكثير من البراغماتية والقليل من الإيديولوجيا.
لكن هذا لا يعني أن ندير ظهورنا لمبادئنا المعلنة. فالمطلوب هو إظهار حس
سليم بالأولويات ـ فقابلية الحياة والنمو والازدهار لبلدنا مهددة بالضياع
ويجب أن تبقى دائماً بالمرتبة الأولى في جداول أعمالنا، متقدمة على كل
الاعتبارات الإيديولوجية.
كما أن ترسيخ علاقات عامة مع المجموعة الدولية، بما فيها الولايات المتحدة،
لا يعني قبلة الموت. لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا التفكير. فمثل هذه
العلاقات يمكن أن تصبح مصدراً لمزيد من المصداقية والشرعية أيضاً. وعلينا
ألا ننسى بهذا الخصوص أنه حتى الرئيس السوري، نعم حتى قائدنا الشاحب هذا،
احتاج لـِ "ـتزكية" من نظيره الفرنسي لكي يعتبر أهلاً للمنصب الذي وضع فيه
وذلك من قبل الزمرة التي تبنّته ذاتها.
إن إجراء مثل هذه الاتصالات، في الوقت الذي يجري فيه تحييد ونبذ قادة
النظام (بمن فيهم الرئيس نفسه) من قبل المجموعة الدولية، يمكن أن يشكّل
مؤشراًُ إضافياً لشعبنا حول عدم شرعية ومصداقية النظام السوري. وهذا ما
سيزيد من مصداقيتنا ويشرعن مواقفنا.
علاوة على ذلك، ومن أجل الوصول إلى طيف واسع من الجمهور، نحتاج أيضاً إلى
مساعدة ودعم شخصيات ثقافية وفنية مشهورة، وخصوصاً من الجيل الأكبر الذين ما
زالوا يتمتّعون بالكثير من المصداقية والاحترام الشعبي. ويمكن لهذا الدعم
أن يأخذ شكل نشاطات عامة وبرامج تنظمها المعارضة، بالإضافة إلى إجراء
المقابلات المنتظمة والمؤتمرات الصحفية حول قضايا الساعة.
إن الحصول على الدعم من هؤلاء لن يكون سهلاً بالطبع، إذا أخذنا بالاعتبار
تاريخهم مع النظام وحاجز الخوف المعتاد الذي يبدو أنه ماثل بشدة في عقولهم
أكثر مما هو حاصل مع الكتاب والأكاديميين، على سبيل المثال. لكن أحداً لم
يحاول حتى الآن في الواقع كسب تأييد تلك الشخصيات. ولنكن أكثر صراحة، لم
يحاول أي منا بشكل فعلي كسب تأييد أي كان.
إذ، مازلنا في المعارضة ننتظر أن يأتوي إلينا الناس بدلاً من محاولة الذهاب
إليهم. وهذا خطأ لا يغتفر أبداً في هذه المرحلة. يجب أن تكون العلاقات
العامة الآن جزءاً أساسياً من نشاطنا. فأزمة البلاد تتعمّق يوماً بعد يوم،
وضرورة الضغط الداخلي على النظام تشتدّ في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى.
ورغم اختلال ميزان القوى بين فصائل المعارضة والنظام، ليس هناك من مبرر
للتقصير في شجب عدم كفاءة النظام وفساده لكونها أسباباً رئيسية للمعضلات
الراهنة في سوريا. فالاحتشاد خلف النظام في هذه المرحلة، ومهما كانت
المبررات، ليست استراتيجية سليمة.
في خطابه الأخير، اتهم الرئيس بشار المعارضة بأن نشاطاتها تتعاظم وتتقلص
تبعاً للضغوط الخارجية. والحقيقة أن تقلّب نشاطاتنا مرتبط أكثر باضطراب
النظام الداخلي ورسائله المتناقضة أكثر من أي أمر آخر. ولهذا فإن المبادرة
ما زالت بيد النظام، حتى وإن كان بشكل غير مباشر. والاحتشاد خلف النظام
سيزيد فقط من هذا الميل ولن يسمح لنا بتطوير "شخصيتنا" المستقلة.
ويمكن أيضاً أن تجري مناقشة حول ضرورة كسب دعم بعض الزعماء الدينيين
المعتدلين من كل الطوائف والملل في سوريا، ومن بعض رجال الأعمال المشهورين،
بصرف النظر عن ارتباطهم السابق بالنظام. فالتحالف المناهض للنظام يجب أن
يشمل كل هذه الفئات قدر الإمكان لكي يضمن أوسع قبول ودعم شعبي.
دور وسائل الإعلام
تمثل وسائل الإعلام بالتأكيد إحدى الساحات الرئيسية للمعركة التي تدور من
أجل استمالة عقول وقلوب الناس في بلدنا. لكننا، حتى الآن، لم نستطع
الاستفادة منها بصورة فعالة.
أما النظام، فرغم اعتماده على خطابات مستهلكة ومنمّطة، بما في ذلك اتهام
المعارضة بالأنانية والطموح (في ثقافة ما تزال شديدة الارتياب بالطموح)
والعمل لصالح قوى أجنبية، ورغم لجوئه إلى أساليب بالية، بما في ذلك
المظاهرات الجماعية المنظمة والمسرحيات والأغاني الوطنية، إلا أن فرصه
بإيصال رسالته إلى الشعب السوري لا تزال وفيرة.
لذا، ورغم قدرة الشعب السوري على التمييز، طالما بقيت هذه الرسالة (هذه
النسخة من "الحقيقة") دون تحدّ فعّال من قبل المعارضة، يبدو الشعب السوري
أكثر استعداداً، في هذه المرحلة على الأقل، لترك النظام يستفيد من حالة
الشك والخوف التي يعيشها الجميع.
لهذا السبب، نحتاج إلى لعب ورقة الإعلام بمهارة أكثر بكثير مما فعلنا حتى
الآن.
فالسعي وراء خدمات شركة علاقات عامة، كما نوّهنا سابقاً، هو على درجة كبيرة
من الأهمية. والمطلوب رسم استراتيجية من أجل الاستفادة من وسائل الإعلام
المختلفة، بما في ذلك التلفزيون والإذاعة والصحف والإنترنت.
ورغم أن نسبة صغيرة فقط من السوريين تستطيع الوصول إلى الإنترنت، إلا أن
هذه النسبة تمثل
وفي الواقع، يبدو أن الكثير في صفوف المعارضة قد أدرك الأهمية المتزايدة
للإنترنت، حيث تًوزّع معظم بياناتهم وإعلاناتهم عبر الشبكة. لكننا حقاً لا
نزال بحاجة إلى بذل جهد أعظم في تصميم وتنظيم مواقعنا الإلكترونية، فما
دامت هذه المواقع تخدم كقناة رئيسية نعرّف من خلالها بأنفسنا ونتواصل مع
مؤيدينا والمتعاطفين معنا، فإن للانطباع الذي يعطيه مظهرها وشكل تنظيمها
أهمية كبيرة.
وثمة حقيقة بسيطة وواضحة هنا: المعارضة التي لا تستطيع تصميم موقع فعّال
وبمظهر جذا | |